الخطأ الإداري هو كل خروج من الموظف العام على مقتضيات وظيفته، أو إخلال بواجباتها أو بالقوانين أو اللوائح، ولم يرد تحديد الأخطاء الإدارية على سبيل الحصر كما هو الحال بالنسبة للجرائم الجنائية، وبالتالي لا تسري في مجال الخطأ الإدارية قاعدة “لا جريمة إلا بنص”.
الخطأ أو الذنب الإداري :
لكي تتخذ الإجراءات التأديبية ضد موظف أو عامل لابد أن ينسب إليه خطأ أو ذنب إداري يستوجب العقاب ، ولما كانت القاعدة المسلم بها في مجال قانون العقوبات أنه لا جريمة إلا بنص ، فقد يخطر على البال الأخذ بذات المبدأ في مجال التأديب ومن ثم فإننا نبدأ بمناقشة هذه القاعدة ، وما يترتب على الأخذ بها أو عدم الأخذ بها من نتائج ، ثم نعقب على ذلك بدراسة دور نية الموظف ، أو ” إرادته الآثمة ” في مجال التأديب .
الخطأ الإداري ومبدأ الشرعية :
(1) مبدأ الشرعية يعني خضوع إرادة الحاكم مثل المحكوم للقانون :
لقد كان من النتائج المباشرة التي ترتبت على الثورة الفرنسية الكبرى ، والتي دعمت الحرية الفردية في كل مكان بعد هذا التاريخ ، إقرار المبدأ الخالد : لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون أو بناء على قانون .
(2) ومما هو جدير بالذكر أن يعد مبدأ عدم رجعية قانون العقوبات ، من المبادئ المسلم بها في كافة الدول الديمقراطية ، بيد أنه لم يتقرر إلا تدريجياً على مدى تاريخ الحضارة الإنسانية ، وهو من المبادئ الراسخة في الشريعة الإسلامية مصداقاً لقوله تعالى ( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [الإسراء] ، أما في القوانين الوضعية فبدأت معرفة هذا المبدأ من خلال إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر غداة الثورة الفرنسية المادة 8 منه ، وسرعان ما أصبح هذا المبدأ في صلب المواثيق الدولية ، فنصت عليه المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والمادة 15 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ، والمادة 7 من الإتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويذهب البعض وبحق إلى أن من خصائص العقوبة الأساسية : أنها شخصية بمعنى أنها لا تنطبق ولا توقع إلا على مرتكب الجريمة الذي ثبتت مسئوليته عنها ، وهذه الصفة مرتبطة بدور العقوبة في المجتمع بوصفها وسيلة ردع للجاني ووقاية للمجتمع من الأشخاص الذين يعتدون على مصالحه الجوهرية ، مأمون سلامة ، العقوبة وخصائصها في التشريع الإسلامي ، مجلة القانون والإقتصاد ، للبحوث القانونية والإقتصادية ، مارس ، يونيو 1978 ع 1 ، 2 السنة 48 ص 70 .
( الأستاذ الدكتور/ سليمان الطماوي ، القضاء الإداري ، قضاء التأديب ، راجعه ونقحه الدكتور عبد الناصر عبد الله أبو سمهدانه ، والدكتور حسين إبراهيم خليل ، طبعة 2014 ، دار الفكر العربي ، الكتاب الثالث ، الصفحة : 78 )
– وتحرص الجمعية العمومية للقسم الإستشاري في فتاويها على ترديد ذات القاعدة ، ومن ذلك قولها في فتواها الصادرة في 27 يناير سنة 1965 (س 19، ص 268) ” الجرائم التأديبية ليست محددة في القوانين على سبيل الحصر ، وإنما كل فعل يرتكبه الموظف ويكون من شأنه الإخلال بواجبات وظيفته ، أو مخالفة القوانين واللوائح ، يعتبر جريمة تأديبية ، يحق للجهة الإدارية محاسبته عليها ، وتوقيع الجزاء المناسب عليه “.
3- ويترتب على هذه القاعدة نتائج بالغة الأهمية أشارت إليها الأحكام التي أوردناها في ثنايا صياغتها ، يمكن إجمالها فيما يلي :
أولاً : أن عدم وجود نص مانع أو مؤثم لفعل معين ، لا يعني بالضرورة أن هذا الفعل مباح للموظف على نسق قانون العقوبات ، ويترتب على ذلك عدم تطبيق قاعدة مفهوم المخالفة ، أو التفسير الضيق المقرر في قانون العقوبات ، إذا حرم المشرع بعض الأفعال على الموظفين ، فالمشرع حيث يفعل ذلك في نطاق الوظيفة العامة – إنما يريد أن يسترعي إنتباه الموظفين أو العاملين إلى خطورة الأعمال المؤثمة ، وأنه يبدي توجيهه القاطع في إجتنابها ، على أن يترك ما لم يذكره – أو المسكوت عنه وفقاً لمصطلحات أصول الفقه – للقاعدة العامة ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما ورد النص عليه في قوانين العاملين المتعاقبة في مصر من ” تحريم لعب القمار في الأندية أو المحال العامة “. ولو أخذ بمنطق قانون العقوبات لكان مباحاً للعاملين لعب القمار في الأماكن الخاصة في حين أن لعب القمار في أي مكان يعتبر خطأ تأديبياً لا شك فيه .
ثانياً : ما دام المشرع لم يحصر الأعمال الممنوعة على الموظفين والتي تكون جريمة تأديبية ، فإن تحديد هذه الأعمال متروك لتقدير الجهات التأديبية ، سواء أكانت جهات رئاسية أم جهات قضائية ، وبهذا المعنى تقول المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر في 24 ديسمبر سنة 1966 (س 12، ص 490) ” إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تكييف الواقعة بما يجعلها من الذنوب المستحقة للعقاب إنما مرجعه إلى تقدير جهة الإدارة ،ومبلغ إنضباط هذا التكييف على الواقعة المنسوبة إلى الموظف من حيث الخروج على الواجب الوظيفي أو الإخلال بحسن السير والسلوك…”.
على أن السلطة التأديبية في ممارستها لهذا الإختصاص التقديري ، تخضع لرقابة القضاء الإداري.
ثالثاً : أن السلطات التأديبية في تقديرها للجرائم التأديبية تلتزم ضوابط الوظيفة العامة ، بما تتضمنه من حقوق وواجبات فتقدير ما إذا كان الموظف قد أخطأ خطأ يستوجب الجزاء ، إنما يرجع فيه إلى هذه الحقوق والواجبات دون غيرها وبالتالي فليس لسلطة التأديب أن تتقيد بضوابط قانون العقوبات وتحرص المحكمة الإدارية العليا على الإشارة إلى هذه الخصيصة . فهي في حكمها الصادر في 11 نوفمبر سنة 1961 (س 7، ص 27) ، بعد أن أشارت إلى المبدأ العام في الفقرة التي أوردناها فيما سلف ، استطردت تقول : ” إن المحكمة التأديبية بوصفها سلطة تأديبية ينبغي عليها أن تلتزم هذا النظام القانوني وتسند قضاءها إليه في تكييفها للفعل المكون للذنب الإداري ، وفي تقديرها للجزاء الذي يناسبه… فإن هي سارت على السنن المتبع في قانون العقوبات ، فلم ترد الفعل المكون للذنب الإداري إلى الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضياتها ، وإنما إستعارت له وصفاً جنائياً وارداً في قانون العقوبات ، وعنيت بتحديد أركان الفعل على نحو ما حدده القانون المذكور للوصف الذي إستعارته.. إنها إن فعلت ذلك كان الجزاء المقضي به مغيباً لأنه بني على خطأ في الإسناد القانوني” وسوف نعود إلى هذا المعنى عند دراسة العلاقة بين الجرائم الجنائية والجرائم التأديبية .
على أنه إذا أثم المشرع فعلاً أو أفعالاً بذاتها ، فإنه يتعين على السلطة التأديبية إتباع مسلك شبيه بمسلك القضاء الجنائي ، من حيث تحديد الأفعال الخاطئة، والنصوص المؤثمة فقد عاقبت المحكمة التأديبية مأمور مالية أسيوط بناءً على أنه أخر عملية “ الجاشني “ على أرض طرح البحر ، وإستندت في ذلك إلى مادة معينة في التعليمات النافذة توجب إجراء هذه العملية في مواعيد محددة ولكن المحكمة الإدارية العليا ألغت الحكم ، لأن المادة التي إستندت إليها المحكمة التأديبية لا تنطبق على حالة الموظف ، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه ، وقد أدان الطاعن على أساس مخالفته حكم المادة 59 ، يكون حكماً مخالفاً للقانون ، ويتعين إلغاؤه ، وبراءة الطاعن مما أسند إليه ، ( حكمها في 6 مارس سنة 1965 (س 10، ص 837 ) .
رابعاً : مرونة فكرة الجريمة التأديبية وتطورها : إن مبدأ ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ” يضفي على جرائم قانون العقوبات ثباتاً وإستقراراً ، بمعنى أن الفعل الذي أثمه المشرع يظل كذلك ما بقي النص قائماً ، دون نظر لتغير الظروف الإجتماعية فمهما تغيرت نظرات المجتمع للفعل المحرم فإنه يظل محرماً ومعاقباً عليه ما بقي النص نافذاً أما بالنسبة للمخالفات التأديبية غير المقننة – فإن النظرة بالنسبة إليها تختلف من وقت إلى آخر ، ويتغير الظروف الإجتماعية والأيديولوجية التي تعتنقها الجماعة ، فكل ما يتصل بحياة الموظف الخاصة والعامة تراعيه السلطة التأديبية عند تقدير الذنب الإداري ، وعلى التفصيل الذي سوف نراه فيما بعد : فسلوك الموظف في ملبسه ، وفي معاملة أسرته ، وفي صلاته مع رؤسائه ، وفي ممارسة حقوقه العامة… إلخ ، كل تلك عناصر أساسية عند تقدير بعض الأخطاء المسلكية ، وهي عناصر متغيرة ومن ثم فإن ما قد يعتبر ذنباً إدارياً في وقت معين ، قد يعتبر عملاً مباحاً ، بل ومندوباً إليه ، في وقت آخر ، ولنضرب مثلاً : فلقد جاء وقت من الأوقات كانت فيه مقابلة الرؤساء بغير غطاء الرأس ( الطربوش ) تعتبر خطأ تأديبياً يستوجب العقاب وبإنتشار الأفكار الإشتراكية ، فإننا نرى رئيس الدولة ، والوزراء وكبار القادة الإداريين ، یمارسون العمل ، ويقابلون كبار الضيوف ، بأقل قدر ممكن من الملابس ، ويمكن أن يقال ذات الشيء عن إستعمال بعض أنواع المواصلات الشعبية، وإرتياد بعض الأماكن الشعبية … إلخ .
خامساً : على أن أهم نتيجة ترتبت على عدم حصر الجرائم التأديبية ، هي المتعلقة بالفصل بين الخطأ التأديبي وبين العقوبة التأديبية فالمسلم به في قانون العقوبات أن المشرع يحدد عناصر الجريمة الجنائية ، ويقدر مدى خطورتها على المجتمع ، ثم يضع لها العقوبة المناسبة ، من حد واحد أو حدين ومن ثم فإن العقوبة مرتبطة تمام الإرتباط بالجريمة فمتی حددت المحكمة الجنائية وصف الجريمة المنسوبة إلى المتهم ، تعين عليها توقيع العقوبة التي حددها المشرع لها أما في النطاق التأديبي فإن السلطة التأديبية تقوم بعمليتين مستقلتين : الأولى البت فيما إذا كان الخطأ المنسوب إلى الموظف محل التأديب يعتبر ” جريمة تأديبية ” فإذا ما إنتهت من هذه المهمة ، إنتقلت إلى مهمة أخرى وهي تحديد العقوبة الملائمة للخطأ الثابت قبل الموظف ، من بين قائمة العقوبات التي حددها المشرع ومن هنا جاء مبدأ الإختصاص التقديري لسلطة التأديب فيما يتصل بتوقيع العقوبات التأديبية .
ثم إن المشرع قد يسلك في المجال التأديبي ذات الخطة المقررة في قانون العقوبات بالنسبة إلى جرائم تأديبية بذاتها .
4- على أنه مهما كانت حرية السلطة التأديبية في تحديد عناصر الجريمة التأديبية ، فإنها ملزمة بأن تستند في تقديرها إلى وقائع محددة ذات طابع سلبي أو إيجابي إرتكبها الموظف وثبتت قبله أما الإتهامات العامة ، والنعوت المرسلة ، فإنها لا يمكن أن تعتبر مكونة للركن المادي للجريمة التأديبية وهكذا رفض مجلس الدولة الفرنسي الإعتراف بشرعية العقوبة التأديبية المستندة إلى ” سوء تصرفات الموظف في مجموعها ” ( L ‘ ensemble de la conduite de l ‘ agent ) دون تحديد لوقائع معينة ( حكمه في 8 مارس سنة 1946 في قضية ( Bensalah Mohamed Dridi ) المجموعة ، ص 416 ) أو إلى السلوك العام للموظف سواء أكان هذا السلوك مهنياً أو أخلاقياً . ( حكمه في 9 نوفمبر سنة 1945 في قضية ( Barard ) المجموعة ص 226 وفي 23 مایو سنة 1947 في قضية (Dzirt) المجموعة ص 219 ) .
ولأجل هذا رفضت المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر في 14 نوفمبر سنة 1964 ( س 10 ص 39 ) الإقرار بشرعية العقاب الموقع على ” جنايني ” يعمل بحديقة الأزبكية ، كلف بالحراسة إلى جانب عمله الأصلي مع بعض الحراس ، ثم كسرت بعض التماثيل المقامة في الحديقة نتيجة إهمال لم يمكن إثباته قبل واحد بعينه من المكلفين بالحراسة ولما كان القدر ” المتيقن ” ( بحسب إصطلاحات محكمة النقض الجنائية ) أن تحطيم التماثيل ما كان ليتم لو قام كل من المكلفين بالحراسة بواجبه ، فإن الإدارة المختصة قررت خصم قيمة التماثيل المحطمة – وهو مبلغ 450 جنيهاً مصرياً من الحراس الثلاثة ، ومجازاة كل منهم بخصم ثلاثة أيام من راتبه فلما طعن “الجنايني” في قراري الخصم وتحمل ثلث ثمن التماثيل ، قضت المحكمة الإدارية والمحكمة الإدارية العليا بإلغاء القرارين المطعون فيها فبعد أن عرفت المحكمة الإدارية العليا الجريمة التأديبية كركن للقرار الصادر بالتأديب على النحو الذي أوردنا أمثلة له فيما سلف ، قالت ” إن المسئولية التأديبية شأنها شأن المسئولية الجنائية، مسئولية شخصية ، فيتعين لإدانة الموظف أو العامل ومجازاته إدارياً في حالة شيوع التهمة بينه وبين غيره ، أن يثبت أنه قد وقع منه فعل إيجابي أو سلبي محدد يعد مساهمة منه في وقوع المخالفة الإدارية ، فإذا إنعدم الأخذ على السلوك الإداري للعامل ، ولم يقع منه أي إخلال بواجبات وظيفته أو خروج على مقتضياتها ، فلا يكون ثمة ذنب إداري ، وبالتالي لا محل لتوقيع جزاء تأديبي ، وإلا كان قرار الجزاء في هذه الحالة فاقداً لركن من أركانه ، وهو ركن السبب “.
والجريمة التأديبية بهذا المعنى ، يجب تمييزها عن العجز الفني أو عدم المهارة الفنية التي قد تثبت قبل الموظف أو العامل ( L’insuffiance professionnelle) فالتأديب يفترض الخروج عن واجبات الوظيفة . أما إذا ثبت أن الموظف أو العامل ليس على المستوى المطلوب من الناحية الفنية ، فإن سبيل تقويمه لا يكون عن طريق التأديب ، بل عن طريق تدريبه . فإذا لم ينجح معه التدريب ، فيمكن النظر في فصله أو نقله إلى عمل آخر أو حرمانه من بعض مزايا الوظيفة… إلخ مما تفصله مؤلفات القانون الإداري .
وهكذا لاحظ الفقهاء بحق أن الموظف متوسط الأداء ، لا يمكن أن يناله سلاح التأديب . ولهذا فإن القوانين الحديثة تضع بجوار التأديب نظماً للحوافز ، حتى تضيف إلى “سيف المعز” فتغري الموظف بأن يبذل قصارى جهده للحصول على الجائزة الموعودة .
( الأستاذ الدكتور/ سليمان الطماوي ، القضاء الإداري ، قضاء التأديب ، راجعه ونقحه الدكتور عبد الناصر عبد الله أبو سمهدانه ، والدكتور حسين إبراهيم خليل ، طبعة 2014 ، دار الفكر العربي ، الكتاب الثالث ، الصفحة :81 )
هذا وقد استقرت احكام المحكمة الادارية العليا في هذا الشأن علي الاتي:
1- ” جری قضاء هذه المحكمة على أن إنعدام التناسب الظاهر بين الذنب الإداري والجزاء الموقع عنه يخرج الجزاء عن نطاق المشروعية مما يجعله مخالفاً للقانون متعين الإلغاء ، ولما كان الحكم المطعون فيه والذي لم يطعن فيه من السيد / ۰۰۰۰۰۰۰۰۰۰ قد إنتهى إلى ثبوت ما هو منسوب إلى المذكور بقرار الإتهام من أن نيته إنصرفت إلى الإستيلاء على المبالغ موضوع الدعوى لنفسه وبسبب وظيفته دون وجه حق ، وأنه بذلك يكون قد خرج على مقتضى ما يجب أن يتحلى به العمل من أمانة وحسن سلوك ولم يحافظ على أموال الشركة التي يعمل بها وإستولى دون وجه حق على أموالها ولم يوردها إلى خزانة الشركة إلا بعد إكتشاف أمره ، فما كان يجوز أن يقضي الحكم بعد ذلك بمجازاة المذكور بخصم شهر من مرتبه ، إذ ليس هناك أي تناسب بين الذنب الإداري الذي ثبت في حقه وبين الجزاء الذي وقع عليه ، فلا جدال في أن جرائم الإختلاس من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة والتي تفقد العامل الذي يرتكبها سمعته والثقة فيه وتؤدى عند الحكم فيها جنائياً إلى فصله بقوة القانون ، ولا يمكن أن يؤدي قيام السيد / ……….. برد المبالغ التي إختلسها وبالتالى قيام النيابة العامة بإحالة الموضوع إلى الجهة الإدارية لمجازاته عما ثبت في حقه تأدیبياً إلى تغير طبيعة الذنب الذي إرتكبه فإذا ما أضيف إلى ما تقدم أن للمذكور سجلاً حافلاً بالجزاءات على نحو ما هو ثابت بالأوراق فإن الجزاء الحق لمثله هو الفصل من الخدمة » .
( المحكمة الإدارية العليا – ( 1965 – 1980) جـ / 2 – ص 1704 – 1705 )
2- « أن المخالفة المنسوبة إلى المدعى هي أنه لم يؤد عمله بأمانة .. ولم يحافظ علي الجمعية التي يعمل بها بأن إختلس أسمدة وكيماويات من عهدته وقد إنتهى الحكم المطعون فيه إلى عدم ثبوت هذه المخالفة في حق المدعى على أساس أن ما إنتهت إليه النيابة العامة من قيام جريمة الإختلاس لم يستخلص من التحقيقات وأن الأمر لا يعدو عجزاً في عهدة المدعي ولا يغنى تلقائياً توافر أركان هذه الجريمة . وهذا الذي إنتهى إليه الحكم المطعون فيه غير سديد ، ذلك لأنه لا يصح في مجال التأديب رد الفعل إلى نظام التجريم الجنائي والتصدي لتوافر أو عدم توافر أركان الجريمة الجنائية ، أو معالجة المخالفة التأديبية من زاوية جنائية من ناحية ثبوتها أو عدم ثبوتها ، إذ كل ذلك ينطوي على إهدار مبدأ إستقلال المخالفة التأديبية عن الجريمة الجنائية ، وإنما الصحيح هو النظر إلى الوقائع المكونة للذنب نظرة مجردة لإستكشاف ما إذا كانت تلك الوقائع تنطوي خروجاً على واجبات الوظيفة ومقتضياتها فتقوم المخالفة التأديبية . فإذا كان الثابت من التحقيق أن المدعي بوصفه من أمناء المخازن تلاعب بعهدته وتصرف فيها بالمخالفة للتعليمات . وآية ذلك أنه أثبت في الكشوف صرف أسمدة لكل من ۰۰۰۰۰ بمبلغ 58,800 جنيه و ۰۰۰ ۰۰ بمبلغ 186,298 جنيه ، حين أنه لم يسلمها إليهما وأقر في التحقيق أنه تصرف في هذه الأسمدة إلى المذكورين ، كما أنه أقر بأن المبيدات الحشرية التي وقع بإستلامها المزارع قام بتسليمها لغيره وقام بدفع ثمنها ، وقد نفى المزارع توقيعه على إيصال إستلام هذه المبيدات البالغ قيمتها 10,800 جنيهات وكان الثابت كذلك أن جرد عهدة المدعي في الأسمدة والكيماويات قد أظهر عجزاً فيها بمبلغ 93,072 جنيهاً ، وقد إحتفظ المدعي بهذا المبلغ ولم يرده إلا بعد إجراء الجرد وإحالته إلى النيابة العامة ومن ثم يقوم في حقه الإختلاس بمفهومه الإداري الذي من بين صوره العجز بالعهدة نتيجة تلاعب الموظف الأمين عليها » .
( المحكمة الإدارية العليا (1965 – 1980) جـ 2 ص 1689 – 1690 )
3- ومن حيث أنه عن الوجه من أوجه الطعن ، وهو المتعلق بمدى جواز نظر الدعوى التأديبية بالنسبة إلى المتهم الأول ، فإن المتبين من أوراق الطعن أن هذا المتهم سبق التحقيق معه إدارياً عن ذات الواقعة المتهم للمحكمة من أجلها في الدعوى المقدمة وهي إهماله في إجراء عمل المجسات اللازمة للبحث عن المعالم الأثرية بالمنطقة التابعة لمصلحة الآثار وهي الآثار بناحية « دير البرث » بمحافظة المنيا قبل تسليمها لمصلحة الأملاك بحيث ظهرت بها بعض الآثار بعد تسليمها لهذه المصلحة .
وقد أدين في هذا التحقيق الإداري عن هذه الواقعة وجوزى بخصم ثلاثة أيام من راتبه بموجب قرار مدير عام مصلحة الآثار رقم 664 الصادر في 13 من ديسمبر سنة 1970 .
حيث أنه لما كانت القرارات التأديبية الصادرة من السلطات الرئاسية هي قرارات إدارية تسري في شأنها القواعد المتعلقة بالتظلم والسحب والإلغاء ، وكان من المسلم عدم جواز سحب القرارات الإدارية الصحيحة .
ومن حيث أنه لما كان لم يثبت أن قرار الجزاء سالف الذكر قد شابته شائبة تنال من صحته ، فما كان يجوز والحالة هذه سحبه بعد صدوره وبعد أن إستنفدت به السلطة التأديبية الرئاسية سلطتها التقديرية في تقدير الذنب الإداري والجزاء الملائم له .
من حيث أنه لما كان قد صدر – رغماً عما تقدم – قرار ساحب القرار الجزاء المشار إليه ، فإنه علاوة عن أنه لم يثبت أن المتهم سالف الذكر قد علم بهذا القرار الساحب ، فإنه حتى بفرض علمه به – ما كانت له مصلحة في الطعن عليه ، بإعتبار أن الأثر المترتب على هذا القرار هو مجرد سحب الجزاء الموقع عليه دون أن ينطوي على قمة إشارة إلى مركزه القانوني ، وإن إحالته إلى التحقيق لا تتمخض قراراً إدارياً يسوغ الطعن فيه . أما وقد أحيل للمحاكمة بعد ذلك من ذات الواقعة التي سبق أن جوزی عنها وتلك كأثر آخر بدا القرار الساحب بمناسبة إحالته لهذه المحاكمة ، فإنه يحق له أن يوجه طعنه عندئذ ضد القرار الساحب بإعتباره قراراً غير مشروع بما رتبه من هذا الأثر الأخير وذلك عن طريق الدفع في الدعوى التأديبية المقامة ضده عن ذات الواقعة بعدم جواز نظرها بالنسبة إليه ، ذلك أنه من الأصول المسلمة ، ومن البداهات التي تقتضييها العدالة الطبيعية أنه لا تجوز المحاكمة التأديبية عن تهمة أخرى جوزي الموظف من أجلها إدارياً ، أو بعبارة أخرى عدم جواز المعاقبة عن الذنب الإداري الواحد مرتين .
وحيث أن المتهم الأول دفع فعلاً بهذا الدفع المتقدم الذكر أمام المحكمة التأديبية التي أصدرت الحكم المطعون فيه وأخذت به هذه المحكمة ، ومن ثم إنتهت في حكمها إلى عدم جواز نظر الدعوى التأديبية بالنسبة إليه ، فإنه تكون بهذا القضاء قد أصابت وجه الحق والقانون ، ولذلك يكون الطعن على حكمها في هذا الشق غير قائم على أساس سليم من القانون متعين الرفض » .
( المحكمة الإدارية العليا – ( 1965 – 1980) جـ/2 – ص 1723 – 1725 ) .
( وردت هذه الأحكام فى موسوعة القضاء الإداري، المحاكمات التأديبية أمام مجلس الدولة، الأستاذ الدكتور/ خميس السيد إسماعيل ، المجلد الأول، دار محمود )
مرتبط
Author
المستشار القانوني احمد فتحي شحاته بالاستئناف العالي ومجلس الدولة رئيس تنفيذي لمجموعة المشورة القانونية للاستشارات القانونية واعمال المحاماة
هل تبحث عن
محامون ذوو خبرة؟
احصل على استشارة أولية مجانية الآن