حق الشفعة في القانون المدني المصري:

يُعد حق الشفعة من الحقوق العينية التبعية التي أولاها المشرع المصري عناية خاصة في القانون المدني رقم 131 لسنة 1948 وتعديلاته. يهدف هذا الحق إلى تحقيق مصلحة مشروعة للشفيع، وغالباً ما تكون هذه المصلحة اجتماعية أو اقتصادية، عن طريق تمكينه من تملك العقار المبيع الذي يرتبط بعقاره بصلة معينة، وذلك بالأفضلية على المشتري الأجنبي. ورغم أن حق الشفعة يمثل قيدًا على مبدأ حرية التعاقد والتصرف، إلا أن المشرع رأى فيه وسيلة لتحقيق العدالة ومنع تفتيت الملكية أو إلحاق الضرر بالشفيع.

تعريف حق الشفعة وخصائصه:

تعريف الشفعة: هي رخصة يمنحها القانون لشخص معين (الشفيع) في أن يحل محل المشتري في عقد بيع العقار المبيع، وذلك بنفس الشروط والأحكام التي تم بها البيع، متى توافرت الشروط القانونية لذلك. بعبارة أخرى، هي الأفضلية في تملك العقار المبيع التي يمنحها القانون لبعض الأشخاص دون غيرهم.

خصائص حق الشفعة:

  • حق عيني تبعي: لا يقوم بذاته، بل يتبع وجود حق ملكية للشفيع على عقار معين يتصل بالعقار المبيع.
  • حق استثنائي: يمثل خروجًا على الأصل العام في حرية التعاقد، ولذلك يجب تفسيره في أضيق الحدود.
  • حق شخصي في مرحلة أولى، ثم يتحول إلى حق عيني: قبل ممارسة الشفعة، هو مجرد رخصة شخصية للشفيع. وبعد ممارسة الشفعة والتسجيل، يصبح الشفيع مالكًا للعقار، وبالتالي يتحول حقه إلى حق عيني.
  • قابل للسقوط والتقادم: يسقط حق الشفعة بمرور مواعيد معينة يحددها القانون، كما أنه قابل للتقادم المسقط.
  • لا ينتقل إلى الورثة إلا إذا تمت ممارسته: لا يورث حق الشفعة بذاته كحق عيني، وإنما إذا كان المورث قد اتخذ الإجراءات اللازمة لممارسته قبل وفاته، فإن حقه ينتقل إلى ورثته.

شروط الأخذ بالشفعة:

نص القانون المدني المصري في المواد من 935 إلى 948 على الشروط الواجب توافرها للأخذ بالشفعة، وهي:

  • أن يكون البيع صحيحاً ونافذاً: يجب أن يكون التصرف الذي يقوم عليه حق الشفعة هو عقد بيع صحيح ومنجز، أي ناقل للملكية فوراً. لا شفعة في الوصايا، أو الهبات، أو الرهون، أو المقايضة، أو البيوع الباطلة أو القابلة للإبطال ما لم يتم إقرارها.
  • أن يكون المبيع عقاراً: لا شفعة في المنقولات، وإنما تقتصر على العقارات بطبيعتها أو العقارات بالتخصيص.
  •  وجود سبب من أسباب الشفعة: حدد القانون المدني على سبيل الحصر حالات الشفعة وهي:
    – ملكية الرقبة إذا بيع كل حق الانتفاع الذي عليها أو بعضه: (م 935/أ).
    – للشريك في الشيوع إذا بيع شيء من العقار الشائع إلى أجنبي: (م 935/ب).
    –  لصاحب حق الانتفاع إذا بيعت الرقبة كلها أو بعضها: (م 935/ج).
    –  لصاحب الرقبة في الحكر إذا بيع حق الحكر: (م 935/د).
    – للجار الملاصق في الأحوال الآتية:
    * إذا كانت العقارات والمباني على اختلاف أنواعها أو الأراضي المعدة للبناء (م 935/هـ).
    * إذا كان المبيع أرضاً فضاء (م 935/و).
    * إذا كان المبيع أرضاً زراعية (م 935/ز).
    * تسلسل مراتب الشفعاء (م 936): إذا تزاحم أكثر من شفيع، تكون الأولوية على النحو التالي:
    * الشريك في الشيوع.
    * صاحب حق الانتفاع.
    * صاحب الرقبة.
    * الجار الملاصق.
    * إذا تزاحم أكثر من شفيع في مرتبة واحدة: يكون الأخذ بالشفعة بنسبة حصة كل منهم، إلا إذا اتفقوا على الأخذ بالشفعة كلها أو جزء منها.
    * قدرة الشفيع على دفع الثمن والمصروفات: يجب أن يكون الشفيع قادراً على سداد الثمن الذي تم به البيع والمصروفات الضرورية التي أنفقها المشتري.

إجراءات طلب الشفعة ومواعيدها:
نظم القانون المدني إجراءات طلب الشفعة ومواعيدها بدقة لضمان استقرار المعاملات ولحماية حقوق المتعاملين:

  • إعلان الرغبة في الأخذ بالشفعة: (م 942)
  • يجب على من يريد الأخذ بالشفعة أن يعلن رغبته هذه إلى كل من البائع والمشتري خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إنذاره رسمياً بالبيع.
  • إذا لم يتم إنذاره، تبدأ المدة من تاريخ علم الشفيع علماً يقينياً بالبيع والثمن وشروطه.
  • يجب أن يتضمن الإعلان بياناً كافياً بالعقار المشفوع فيه، والثمن، واسم البائع والمشتري، واسم الشفيع، واسم المالك الأصلي (إن وجد).
  • يجب أن يكون الإعلان رسمياً (بواسطة محضر).
  • إيداع الثمن: (م 943)
  • يجب على الشفيع أن يودع الثمن كاملاً والمصروفات الرسمية بصندوق المحكمة التي يقع في دائرتها العقار خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلان الرغبة في الأخذ بالشفعة.
  • إذا لم يتم إيداع الثمن في الميعاد، سقط حق الشفعة.
  • يجوز للمحكمة بناءً على طلب الشفيع أن تأمر بإيداع ما لا يزيد على خمسة وعشرين بالمائة من الثمن إذا كانت هناك أسباب جدية لذلك.
  • رفع دعوى الشفعة: (م 944)
  • يجب على الشفيع أن يرفع دعوى الشفعة على البائع والمشتري أمام المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرتها العقار المشفوع فيه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إعلان الرغبة في الأخذ بالشفعة.

سقوط دعوى الشفعة:

تسقط دعوي الشفعة بعد سنة من تاريخ تسجيل عقد البيع، وذلك إذا لم يقم الشفيع باتخاذ أي إجراء من الإجراءات السابقة (م 945).

آثار الأخذ بالشفعة:
يترتب على الأخذ بالشفعة آثار هامة على العلاقة بين الشفيع، البائع، والمشتري:

  • حلول الشفيع محل المشتري: يحل الشفيع محل المشتري في جميع حقوقه والتزاماته المتعلقة بالعقار المشفوع فيه (م 946).
  • نقل الملكية إلى الشفيع: بمجرد صدور حكم نهائي بثبوت الشفعة، تنتقل ملكية العقار إلى الشفيع، ويعد الحكم سنداً لملكيته. ويجب على الشفيع تسجيل هذا الحكم.
  • حق المشتري في استرداد الثمن والمصروفات: للمشتري الحق في استرداد الثمن الذي دفعه والمصروفات الضرورية والنافعة التي أنفقها على العقار (م 947). أما المصروفات الكمالية فلا يستردها المشتري.
  • عدم جواز تصرف المشتري في العقار: بمجرد إعلان الشفيع رغبته في الأخذ بالشفعة، لا يجوز للمشتري أن يتصرف في العقار تصرفاً يضر بحق الشفيع (م 948).
  • مسؤولية البائع: يبقى البائع مسؤولاً عن ضمان التعرض والاستحقاق للشفيع، كما لو كان البيع قد تم بينهما أصلاً.
    سقوط حق الشفعة

يسقط حق الشفعة في الحالات الآتية:
* فوات المواعيد المقررة قانوناً:
* عدم إعلان الرغبة خلال 15 يوماً من الإنذار الرسمي أو العلم اليقيني.
* عدم إيداع الثمن خلال 30 يوماً من إعلان الرغبة.
* عدم رفع الدعوى خلال 30 يوماً من إعلان الرغبة.
* مرور سنة من تاريخ تسجيل عقد البيع (سقوط عام).
* التنازل عن الحق:
* تنازل الشفيع عن حقه صراحة أو ضمناً قبل البيع أو بعده.
* يعتبر التوقيع على عقد البيع شاهداً أو موافقاً عليه بمثابة تنازل ضمني.
* تصرف الشفيع في العقار الذي يملك به حق الشفعة: إذا قام الشفيع ببيع العقار الذي يعطيه الحق في الشفعة، سقط حقه في الشفعة.
* هلاك العقار المشفوع فيه: إذا هلك العقار المشفوع فيه قبل الأخذ بالشفعة، سقط الحق.
* شراء العقار بالمزاد العلني: لا يجوز الأخذ بالشفعة في البيوع التي تتم عن طريق المزاد العلني، سواء كان قضائياً أو إدارياً.

 

أحكام محكمة النقض بشأن حق الشفعة:

نستعرض بعض المبادئ الأساسية التي استقرت عليها أحكام محكمة النقض المصرية بخصوص حق الشفعة. هذه المبادئ مستقاة من أحكام سابقة ومتواترة للمحكمة:

مبادئ عامة حول حق الشفعة:

  •  الطبيعة الاستثنائية للشفعة: تؤكد محكمة النقض باستمرار أن حق الشفعة هو رخصة استثنائية ترد على مبدأ حرية التعاقد والتصرف في الملكية. لذلك، يجب تفسير نصوص الشفعة في أضيق الحدود، ولا يجوز القياس عليها أو التوسع فيها “الشفعة رخصة استثنائية رخص بها الشارع للأفراد للحد من حرية التقاعد والتصرف في الملكية، ومن ثم يجب ألا تفسر نصوصها إلا في أضيق الحدود، وألا يتقرر هذا الحق إلا لمصلحة من يستحقه قانونًا وبالشروط والأوضاع التي رسمها القانون.” (نقض مدني – الطعن رقم 215 لسنة 32 ق – جلسة 20/2/1968).
  •  الأصل في الشفعة البيع: لا تثبت الشفعة إلا في عقد البيع الصحيح والناقل للملكية. لا شفعة في المقايضة، الهبة، الوصية، أو غيرها من التصرفات التي لا تعد بيعًا خالصًا “حق الشفعة لا يثبت إلا في البيع العقاري، ولا يرد على عقد المقايضة.” (نقض مدني – الطعن رقم 289 لسنة 45 ق – جلسة 15/1/1980).

أحكام محكمة النقض بشأن شروط الشفعة:

  •  العلم اليقيني بالبيع: لا يكفي مجرد العلم بالبيع، بل يجب أن يكون العلم يقينياً وشاملاً لجميع بيانات البيع الأساسية (مثل الثمن الحقيقي، اسم البائع والمشتري، ووصف العقار المبيع). وبدون هذا العلم اليقيني، لا تبدأ مواعيد الشفعة في السريان “العلم بالبيع الموجب للشفعة والذي يبدأ منه ميعاد الخمسة عشر يوماً لإعلان الرغبة، يجب أن يكون علماً يقينياً شاملاً لعناصر البيع الأساسية كالثمن والمصروفات الحقيقية.” (نقض مدني – الطعن رقم 123 لسنة 52 ق – جلسة 19/1/1986).
  • الوجود القانوني للعقار المشفوع به: يجب أن يكون العقار الذي يستند إليه الشفيع في طلب الشفعة موجوداً قانوناً وملكاً خالصاً له وقت البيع وقبل ممارسة الشفعة “يشترط في العقار الذي يخول حق الشفعة أن يكون موجوداً وقت البيع المشفوع فيه وأن يكون مملوكاً ملكية صحيحة للشفيع.” (نقض مدني – الطعن رقم 301 لسنة 34 ق – جلسة 27/5/1969).

أحكام محكمة النقض بشأن إجراءات ومواعيد الشفعة:

  •  مواعيد الشفعة مواعيد حتمية وقاطعة: تؤكد محكمة النقض باستمرار أن المواعيد المقررة للشفعة هي مواعيد سقوط (وليست مواعيد تقادم). وبالتالي، فإنها قاطعة لا تقبل الوقف أو الانقطاع، ويترتب على فوات أي منها سقوط الحق في الشفعة “المواعيد المنصوص عليها في المادة 942 وما بعدها من القانون المدني والمتعلقة بإجراءات الشفعة هي مواعيد سقوط، يترتب على فوات أي منها سقوط حق الشفيع في الأخذ بها، ولا يجوز إعمال قواعد الوقف أو الانقطاع عليها.” (نقض مدني – الطعن رقم 1045 لسنة 62 ق – جلسة 12/12/1993).
  • إيداع الثمن كاملاً: اشترطت محكمة النقض أن يكون إيداع الثمن كاملاً بصندوق المحكمة خلال الميعاد القانوني (30 يوماً من إعلان الرغبة)، وإلا سقط الحق في الشفعة. أي نقص في المبلغ المودع، حتى لو كان بسيطاً، يؤدي إلى سقوط الحق “إيداع الثمن المشفوع به كاملاً بصندوق المحكمة في الميعاد المحدد قانوناً شرط جوهري لصحة طلب الشفعة، والنقص في المبلغ المودع يؤدي إلى سقوط الحق فيها.” (نقض مدني – الطعن رقم 560 لسنة 56 ق – جلسة 10/2/1992).
  • توجيه الإعلان والدعوى إلى جميع الأطراف: يجب أن توجه إعلانات الرغبة في الشفعة ودعوى الشفعة إلى كل من البائع والمشتري، وإلا كانت الإجراءات باطلة “يشترط لصحة إعلان الرغبة في الشفعة أن يوجه إلى كل من البائع والمشتري.” (نقض مدني – الطعن رقم 372 لسنة 34 ق – جلسة 12/1/1970).

أحكام محكمة النقض بشأن أثر الشفعة وسقوطها:

  • حلول الشفيع محل المشتري: بمجرد ثبوت الشفعة، يحل الشفيع محل المشتري في جميع حقوقه والتزاماته، ويصبح المشتري أجنبياً عن العقد. “يترتب على الأخذ بالشفعة حلول الشفيع محل المشتري في ذات البيع، وتزول عن المشتري صفته كطرف في العقد في مواجهة الشفيع.” (نقض مدني – الطعن رقم 1999 لسنة 55 ق – جلسة 2/3/1989).
  •  سقوط الشفعة بالتنازل: التنازل عن حق الشفعة، سواء كان صريحاً أو ضمنياً، يؤدي إلى سقوط الحق. والعلم اليقيني بالبيع والامتناع عن اتخاذ الإجراءات في المواعيد القانونية يعتبر تنازلاً ضمنياً “قيام الشفيع بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات الشفعة في المواعيد المحددة قانوناً بعد علمه اليقيني بالبيع يعد تنازلاً ضمنياً عن حقه في الأخذ بها.” (نقض مدني – الطعن رقم 210 لسنة 36 ق – جلسة 18/5/1971).
  •  البيع بالمزاد العلني: لا تثبت الشفعة في حالة البيع بالمزاد العلني، سواء كان قضائياً أو إدارياً، لأن هذا النوع من البيوع يضمن العلنية وتكافؤ الفرص “من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن البيع بالمزاد العلني لا تجوز فيه الشفعة.” (نقض مدني – الطعن رقم 405 لسنة 49 ق – جلسة 25/11/1982).

اترك رد

هل تبحث عن

محامون ذوو خبرة؟

احصل على استشارة أولية مجانية الآن

من يوم الجمعة حتي الأربعاء من الساعه 8 مساءاً حتي 11 مساءاً