مناط حجية البريد الإلكتروني في الإثبات طبقاً للقانون المصري

مناط حجية البريد الإلكتروني في الإثبات طبقاً للقانون المصري

مع التطور الرقمي الهائل وتحول المعاملات التجارية والمدنية إلى الفضاء الإلكتروني، ثار تساؤل قانوني جوهري في ساحات المحاكم المصرية: ما هي القيمة القانونية للبريد الإلكتروني (E-mail) كدليل إثبات؟ وما هو مناط حجيته وشروط اعتباره دليلاً كاملاً يعتد به القاضي؟

من خلال هذه المقالة المتعمقة، نستعرض موقف المشرع المصري، والشروط الصارمة التي وضعها لضمان حجية الإثبات بالبريد الإلكتروني، وكيف أحدثت محكمة النقض المصرية ثورة قضائية في التعامل مع المراسلات الرقمية.

1. الإطار التشريعي لحجية الأدلة الرقمية في مصر

لم يترك المشرع المصري المعاملات الرقمية في فراغ تشريعي، بل نظمها من خلال منظومة قانونية متكاملة، تتمثل في ثلاثة قوانين رئيسية تتكامل فيما بينها:

  • قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004: وهو الحجر الأساس الذي منح الأدلة الإلكترونية حجية مساوية للأدلة الورقية الرسمية والعرفية متى استوفت الضوابط الفنية.

  • قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 (قانون جرائم الإنترنت): الذي عرّف “الأدلة الرقمية” في المادة الأولى منه، وضبط شروط صحتها وحجيتها من الناحية الفنية.

  • قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية رقم 25 لسنة 1968: والذي يمثل القواعد العامة للأدلة القانونية في مصر.

  • نصت المادة 15 من القانون رقم 15 لسنة 2004 على: “للكتابة الإلكترونية وللمحررات الإلكترونية، في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية، ذات الحجية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية في أحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، متى استوفت الشروط المنصوص عليها في هذا القانون والضوابط الفنية والتقنية التي تحددها اللائحة التنفيذية له”.

2. مناط وشروط حجية البريد الإلكتروني في الإثبات

حتى يكتسب البريد الإلكتروني الحجية القانونية الكاملة، حدد القانون ضوابط فنية وتقنية صارمة تستهدف التيقن من جهة الإرسال والاستلام وعدم التدخل البشري للتلاعب بالبيانات. ويدور مناط الحجية وجوداً وعدماً حول توافر ثلاثة شروط مجتمعة:

  1. الاتصال الحصري بالمرسل: أن يكون متاحاً فنياً تحديد مصدر إنشاء البريد الإلكتروني ودرجة سيطرة مُنشئها على هذا المصدر وعلى الوسائط المستخدمة في إنشائها، بحيث يثبت اتصالها به انفرادياً.

  2. التحصين التقني (سلامة المحتوى): وجود نظام حفظ إلكتروني مستقل وغير خاضع لسيطرة منشئ الكتابة أو لسيطرة المعني بها، يضمن عدم تعرض الرسالة لأي تعديل أو تحريف أو تلاعب منذ لحظة الإرسال وحتى وصولها.

  3. تحديد الوقت والتاريخ: أن يكون متاحاً فنياً تحديد وقت وتاريخ إنشاء وإرسال واستقبال الرسالة الإلكترونية بدقة عبر السيرفرات (Servers).

3. البريد الإلكتروني ليس “صورة ضوئية”: ثورة محكمة النقض ضد “الجهد”

من الأخطاء الشائعة في العمل العملي أمام المحاكم، قيام الخصوم بـ “جحد” مستخرجات البريد الإلكتروني بمقولة أنها مجرد “صور ضوئية” لا قيمة لها في الإثبات إلا بتقديم أصلها. إلا أن محكمة النقض المصرية وضعت حداً قاطعاً لهذا المسلك في حكم تاريخي حديث لها (الطعن رقم 17689 لسنة 89 قضائية – الدوائر التجارية – جلسة 10/03/2020).

وقد قررت المحكمة مبدأ قضائياً خطيراً مفاده أن مستخرجات البريد الإلكتروني ليست صوراً ضوئية وليس لها أصل ورقي تقليدي، وبالتالي فهي بمنأى عن مجرد الجحد.

قاعدة محكمة النقض (الطعن رقم 17689 لسنة 89 ق):

“إن هذه المستخرجات في حقيقة الأمر ليست إلا تفريغاً لما احتواه البريد الإلكتروني، وليس لها أصل ورقي بالمعنى التقليدي مكتوب ومحفوظ لدى مرسلها، وبذلك تكون بمنأى عن مجرد الجحد، ولا سبيل للنيل من صحتها إلا بالتمسك بعدم استلام البريد الإلكتروني ابتداءً من جهة الإرسال، أو التمسك بحصول العبث في بياناته بعد استلامه، والمبادرة إلى سلوك طريق الادعاء بتزويرها”.

 

4. كيف يطعن الخصم قانوناً على رسائل البريد الإلكتروني؟

وفقاً لقضاء النقض المستقر، إذا قُدمت ضدك مستخرجات بريد إلكتروني، لم يعد خيار “الجحد الإجرائي” مجدياً، بل ينحصر طريق الطعن عليها في وسيلتين قانونيتين فقط:

  • الوسيلة الأولى: التمسك بعدم استلام البريد الإلكتروني ابتداءً: ويتم ذلك عبر إثبات عدم تطابق عنوان البريد الإلكتروني الذي وُجهت إليه الرسائل مع عنوان البريد الإلكتروني الرسمي والمعتمد للخصم، أو عدم وجود صلة له بجهة الإرسال.

  • الوسيلة الثانية: سلوك طريق الادعاء بالتزوير: المبادرة فوراً باتخاذ الأوضاع المنصوص عليها في المادة 49 من قانون الإثبات وما بعدها لإثبات حصول عبث في البيانات بعد استلامها، أو عدم مطابقتها للشروط والضوابط المتطلبة قانوناً، تمهيداً للاستعانة بالخبرة الفنية المتخصصة (خبير وزارة العدل لجرائم تقنية المعلومات) لفحص الحسابات والسيرفرات.

5. تطبيقات عملية من قضاء المحاكم الاقتصادية والنقض

في نازلة الطعن المشار إليه (الطعن رقم 17689 لسنة 89 ق)، ثار نزاع تجاري حول عقد هندسي لتطوير وإدارة مشروعات، وتمسكت إحدى الشركات بمستخرجات بريد إلكتروني لإثبات تنفيذ أعمال ومطالبات مالية، واكتفت الشركة الأخرى بجحدها لكونها صوراً ضوئية.

رفضت محكمة النقض هذا الدفاع وأيدت الحكم المطعون فيه، وأكدت أن أصول هذه الرسائل (باعتبارها بيانات رقمية) تظل محفوظة ومخزنة داخل الأجهزة الإلكترونية لأطرافها، وفي خادمات الحواسب (Servers) للشركات مزودة الخدمة على شبكة الإنترنت، وبالتالي لا يجوز تكييف المستخرج المطبوع على أنه صورة ضوئية تجحد، ما دام الخصم لم يسلك طريق الادعاء بالتزوير قانوناً.

خلاصة قانونية للمشتغلين بالقانون

إن مناط حجية البريد الإلكتروني في القانون المصري انتقل من مرحلة “القرينة” المرنة إلى مرحلة الدليل الكتابي العصي على الجحد، متى توافقت بياناته الرقمية مع الضوابط الفنية لقانون التوقيع الإلكتروني وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

ولتحصين المعاملات، يُنصح دائماً الشركات والأفراد بالنص صراحة في صلب عقودهم التقليدية على “اعتماد عناوين بريد إلكتروني محددة وبأسمائهم كوسيلة رسمية وحيدة وحصرية لتبادل المراسلات، والإخطارات، والتعديلات العقدية”، مما يقطع دابر أي إنكار أو طعن مستقبلي أمام جهات القضاء.

اترك رد

هل تبحث عن

محامون ذوو خبرة؟

احصل على استشارة أولية مجانية الآن

من يوم الجمعة حتي الأربعاء من الساعه 8 مساءاً حتي 11 مساءاً